الشيخ محمد الصادقي
439
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ما عبدنا ، وان كان هناك حساب فنحن الناجون وأنتم الهالكون ، وهذه حجة أخيرة على من لا يصدق البينات . ثم المشكوك في دعوى النبوة - إذا لا يملك حجة على صدقه وأنت لا تملك حجة على كذبه - لم يصح تكذيبه والفتك به إلّا في أصل النبوة إذ لا تصدّق إلّا ببيناتها ، وقد ملكها موسى بتسع آيات ، وأما فيما يخبر به من أخطار مترقبة فالحائطة العقلية تقتضي ترتيب آثار صدقه ، وهكذا تكون أنباء الأنبياء إنذارا عما يعدون . فكيف يجوز قتل موسى الرسول « أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ » ثم كيف يجوز قتله « وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » - ومن ثم ف « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » سواء أكان مدعي النبوة وأنباءها الغيبة ف « لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ » أم مكذب النبوة على بيناتها الصادقة ف « إن أخذ ربك لشديد » ! ومن طريف هذا الحجاج تقديم احتمال الكذب للنبي سدا لعجالة التكذيب إن قدّم احتمال الصدق ، وكما يقدّم الترديد لداعية الحق « إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » دون « أنتم أو نحن . . . » وهذا منتهى النصفة في الحجاج أن يقدم المحاور لنفسه أسوء الاحتمالات ثم يردها بلطف دون عنف . وهذا منتهى المطاف في حجاج النبوات لمن لا يصدق أيّة بينات ، أننا نفرض - على استحالة - كذب صادق النبوة فيما يعد للأخرى ، وحتى مع التغامض عن نبوته ، فقضية الاحتياط - إذا - ألّا يكذّب فضلا عن قتله ، حجة يقبلها كل ذي مسكة وحتى ذي جنة ، ولكن حماقى الطغيان ليسوا ليصدقوا أية حجة « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » .